ابن الجوزي
69
صيد الخاطر
وجود النسل ، لأن هذا الحيوان لا يزال يتحلل ثم يخلف المتحلل الغذاء ، ثم يتحلل من الأجزاء الأصلية ما لا يخلفه شيء فإذا لم يكن بدّ من فنائه وكان المراد امتداد أزمان الدنيا جعل النسل خلفا عن الأصل ، ولما كانت صورة النكاح تأباها النفوس الشريفة من كشف العورة وملاقاة ما لا يستحسن لنفسه ، جعلت الشهوة تحثّ ليحصل المقصود . ثم رأيت هذا المقصود الأصلي يتبعه شيء آخر ، وهو استفراغ هذا الماء الذي يؤذي دوام احتقانه ، فان المنيّ ينفصل من الهضم الرابع فهو أصفى جوهر الغذاء وأجوده ، ثم يجتمع ، فهو أحد الذخائر للنفس فإنها تدخر لبقائها وقوتها الدم ، ثم المنيّ ، فإذا زاد اجتماع المني أقلق على قدر اقلاق البول للحاقن ، إلا أن اقلاقه من حيث المعنى أكثر من اقلاق البول من حيث الصورة ، فتوجب كثرة اجتماعه ، وطول احتباسه ، أمراضا صعبة ، لأنه يترقى بخاره إلى الدماغ فيؤذي ، وربما أحدث سميّة ، ومتى كان المزاج سليما فالطبع يطلب بروز المنيّ إذا اجتمع ، كما يطلب بروز البول ، وقد تنحرف بعض الأمزجة فيقل اجتماعه عنده فيندر طلبه لإخراجه . وانما نتكلم عن المزاج الصحيح ، فأقول : قد بينت أنه إذا وقع به احتباسه أوجب أمراضا وجدد أفكارا رديئة ، وجلب العشق والوسوسة إلى غير ذلك من الآفات . وقد نجد صحيح المزاج يخرج ذلك إذا اجتمع وهو بعد متقلقل ، فكأنه الآكل الذي لا يشبع ، فبحثت عن ذلك فرأيته وقوع الخلل في المنكوح إما لدمامته ، وقبح منظره ، أو لآفة فيه ، أو لأنه غير مطلوب للنفس ، فحينئذ يخرج منه ويبقى بعضه ؛ فإذا أردت معرفة ما يدلك على ذلك فقس مقدار خروج المني في المحل المشتهى ، وفي المحل الذي هو دونه ، كالوطء بين الفخذين بالإضافة إلى الوطء في محل النكاح ، وكوطء البكر بالإضافة إلى وطء الثيب ، فعلم حينئذ أن تخيّر المنكوح يستقصي فضول المني ، فيحصل للنفس كمال اللذة ، لموضع كمال بروز الفضول . ثم قد يؤثر هذا في الولد أيضا ، فإنه إذا كان ( أي الولد ) من شابين قد حبسا أنفسهما عن النكاح مديدة كان الولد أقوى منه من غيرهما ، أو من المدمن على النكاح في الأغلب ، ولهذا كره نكاح الأقارب لأنه مما يقبض النفس عن انبساطها ، فيتخيل الانسان أنه ينكح بعضه ، ومدح نكاح